نقل الجاحظ في كتابه القيّم " الحيوان " الجزء الأول صفحة (59) قوله :
وقد قال ذو الرُّمّة لعيسى بن عمر : اكتب شعري ، فالكتابُ أحبُّ إليّ من الحفظ . فإن الأعرابيّ ينسى الكلمة وقد سهر في طلبها ليلته ، فيضعُ في موضعها كلمةً في وزنها ، ثم يُنشدها ، والكتاب لا يُنسى ولا يُبدّلُ كلاماً بكلام . انتهى قلت : كذلك تاريخنا ورواياتنا الشفهية البدوية ـ يموت الرجل الحافظ الضابط للسالفة فجأة ـ فيقوم بعده من خطف خطفة من تلك السالفة ، فيزيدها من هنا ومن ويعدّل مركاه من هنا الى جنبه الآخر ، خصوصاً اذا هو رجل مرموق بين الناس ، ومن بعده كذلكومن بعده ، حتى يصبح تاريخاً متوراث ، بل وجدناهم يذهبون أحياناً الى عجز قد بلغت من العمر عتيّا ليسألونها حول السنة الفلانية ومن حضرة من الناس القداما ، فهل هذا تاريخ تواجه به الأمم الحافظة ، أنا أعلم أن النساء يشربن الدّخان (التتن) في نجد على دورالأمير الشمري محمد الرشيد ، وموثّق بكتب مطبوعة ، وليست سوالف بدو ، ولو قلت لبعض رجالنا في نجد ذلك ، لكذبك ، بحجت أن ذلك في الشمال فقط ، ولا يوجد في نجد من هذا النوع من العمل ، السبب أنهم هم فقط المسلمين والموحدين ، ناسين أن العلم والدين الحقيقي والذي وصل لكل بيت هو فقط على عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل فقط ، ولولا المدارس لما وصل إلى كل بيت ونفس. ولقد سألت شيوخ من شيوخ عنزة ، وفرّيس واعقدا ، لهم اسمهم بين عنزة وغير عنزة ، عن جدود لهم من فوق الجد السادس والسابع الى التاسع ، وهم موثّقين بكتب المؤرخين في أوائل القرن التاسع ، ولم يعلموا عنهم شيء البتة ، وهم شيبان ، فهذا هو حال تاريخ الآباء والأجداد وحقيقته .
قال الجاحظ أيضاً في نفس المصدر ، ص ـ 68 ـ في فضل التعلم :
وقال بعضهم : كنتُ عند بعض العلماء ، فكنت أكتب عنه بعضاً وأدع بعضاً ، فقال لي : أكتب كلّ ما تسمع ، فإن أخسّ ما تسمع خيرٌ من مكانه أبيض .
وقال في صفحة 84 تحت عنوان (الكتاب قد يفضل صاحبه)
والكتاب قد يفضل صاحبه ، ويتقدم مؤلفه ، ويرجّح قلمه على لسانه بأمور : منها أن الكتاب يُقرأ بكل مكان ، ويظهرُ ما فيه على كل لسان ، ويوجد في كل زمان ، على تفاوت ما بين الأعصار ، وتباعد ما بين الأمصار ، وذلك أمر مستحيل في واضع الكتاب ، ""والمنازع في المسألة . ومناقلة اللسان وهدايته لا تجوزان مجلس صاحبه ، ومبلغ صوته""
فلو سألنا يالحبيب أبو مشعل هؤلاء البادية الحفظة عن عدد من مات من العطش أو من أمراض الطاعون بشكل جماعي ومتى وأين ومن أسمائهم ومن أي فخذ منهم لما حصلت منهم على جواب ، وهم يعلمون بأن لديهم امرأة أو رجل كانا آخر من تبقى من تلك البطون الكثيرة العدد ، طيب وماذا عن المعلومات التي ماتت بموت أولئك الموتى ، أيعقل أن تاريخنا متسلسل في عدد عشرين جد الى عنزة الجاهلي البعيد ، يعني لين يوم ((عنزة)) خيّالين .
يا بو مشعل لو عنزة مقتنعة فيما توارثته من الآباء والأجداد ، لما اختلفوا اليوم ونحن نرى ذلك ، فهل كل من خالف السائد والموروث مزوّر كذاب أشر ، أتسائل فقط ـ والله أسأل أن يحفظنا ويحفظك من الخطل والزلل . آمين يا رب العالمين .