هناك من يتسائل هل من المنطق والعقل أن قبيلة بحجم قبيلة عنزة ببطونها وفروعها وبدناتها المتشعبة وعشائرها الكثيرة تنحدر فقط من رجلين "بشر ومسلم" عاشا بزمن لايتجاوز القرن السادس الهجري دون أن يكون لهذين السلفين أي تفرعات أخرى كإخوة أو أبناء عم خلاف ماجاء بالموروث من هذه السلسلة المحفوظة كما هو واقع اليوم هل هذه مبررات عقلية منطقية أين ذهبت فروع عنزة الأخرى؟ :الحقيقة هذا تساؤل مشروع ووجهة نظر منطقية قابلة للنقاش فالعقل البشري بطبيعته مجبول على السؤال والتساؤل والحقيقة هذا الأمر ليس من السهل الإجابة عليه إجابه قاطعة موثقة فهناك أكثر من محور للإجابه على هذا التساؤل لكن سنستدل ببعض الملامح والإشارات التى جائت في بعض كتب التاريخ يمكن أن نستنتج منها على خطوط عامة يمكن ان تلقي الضوء على هذه التساؤلات ولو بشكل مختصرفبداية قبل فتح الباب يجب القول أن غياب بعض الفقرات التاريخية أو سقوطها وعدم ذكرها في المصادر لا يعد سببا مقنعا في عدم حدوثها أرض الواقع وترك البحث أوإعادة ما سقط من هذه الفقرات قد تكون جائت في مصادر أخرى على شكل اشارات وملامح غير مباشرة من هنا يمكن من خلال هذه المؤشرات أن نستخلص مافيها ومن ثم ربطها لنخرج بصورة قريبة منطقية لبعض ماسقط من التاريخ وكثيرا مانجد هذا فى بعض المصادر فكثير مانجد فجوات تاريخية عن بعض وقائع الماضي لم تستطع اغلب المدونات التاريخية أن تزودنا بها كما هي بصورة لالبس فيها فالزمن كفيل أن يدفن بعض الحقائق التاريخية لتلفها بعد ذلك رياح النسيان رغم ما حفظ منه وكتب ورغم العدد الهائل من المؤرخين والباحثين الذين تناولوه فيكفى قرناً واحداً من الجهل وعدم التدوين وإهمال نقل الرواية أو نسيانها كفيل بإسقاط كثير من الأحداث التاريخية ومنها سلسلة الأنساب وإختفاء بعض المسميات والقبائل وماالى ذلك فالتاريخ المدون بشكله العام لم يصلنا كما هو أما بسبب الضياع أو التلف وبعضه يكتنفه الغموض من هنا جاء التضارب والتعارض والتشويش وعدم معرفة بعض الحقائق التاريخية والأحداث التى مازالت مجهولة حتى هذه الساعة أما الجواب على هذا التساؤل فجاء من ثلاث محاور .
المحورالأول: مسألة"بشر ومسلم" فكونهما أسلاف هذه القبيلة فلا غرابة فى ذلك ومعلوم أن جميع القبائل والشعوب والأمم نشاتها وجذورها هي من سلف أبوي وجد مشترك واحد حتى وإن جائت التفرعات من عدة أسلاف وجدود فالمنشأ بالنهاية هو سلف بيلوجي واحد جامع لها فمن حيث المبدا تركيب القبيلة الأبوي لاتتكون من منظومات خارج هذه الهيكلية الأبوية الجذرية بأي حال من الأحوال يقول المستشرق الاسكتلندي القس وليام روبرستون سميث 1846م – 1894م في كتابه"نظرية النسابين عن أصول المجموعات القبلية العربية" ترجمة" أبوبكر باقادر"بحسب نظرية النسابين العرب كانت المجموعات كلها عبارة عن قبائل بطريكية ذات نسب أبوي تشكلت عن طريق نظام قرابي عبر النسب الأبوي تفرعت عنه المجموعات الأصلية فالقبيلة لم تكن سوى أسرة أكبر وكان الإسم القبلي هو إسم أو لقب الجد(السلف) المشترك ومع مرور الوقت تنقسم القبيلة الى قبيلتين أو أكثر كل قبيلة تحتضن أحد أبناء السلف العظيم وتأخذ إسمها منه" وهذه حقيقة ثابته لاجدال فيها كحقيقة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث"كلكم لاَدم واَدم من تراب" .
المحور الثاني: أما كونهم عاشوا بزمن لايتجاوز القرن السادس فهذا لايمنع أن تنحدر منهم كل هذه القبائل والبطون والفروع والعشائر علما أن جميع فروع وبطون عنزة اليوم المنتمية تحديدا"لبشر ومسلم" على كثرتها وتشعباتها وبطونها المتعدده إذا رجعنا الى سلسلة النسب وتتبعناها وقارناها بالمعاصرة والتساوي نجدها قد تكونت حصرا من السادس الهجري خصوصا بعد سقوط الدولة العباسية 1258م/658هـ وكذلك حال القبائل اليوم التى جائت مسمياتها الحديثة مابعد هذا القرن ويرجع المؤرخون ذلك الى ان الحقبة من 600هـ الى عام 900هـ هي حقبة تاريخية مظلمة وذلك لسيطرة العنصر الغير عربي على جزيرة العرب كالمماليك والتركمان وغيرهم وقمعهم لثورات العرب بكل قسوة من هنا حصلت تحولات اجتماعية جذرية وعميقة في المجتمعات القبلية لم تكن موجودة سابقا في أسلافهم كالمسميات والتداخل واختلاط الأنساب وغيرها مماادى الى طمس الكثير من بعض معالم تراث وتاريخ الجزيرة ومنها مسألة الأنساب فالكثرة والقلة هنا ليست لها علاقة بطول الزمن أو قصره ولتقريب الصورة على سبيل المثال نجد أن جنكيز خان المغولي المتوفي عام 1227م/ 625هـ أثبت الدراسات العلمية الحديثة ان من يحملون جيناته اليوم في اَسيا يقارب الثلاثين مليون إنسان منتشرين في منغوليا وافغانستان في قبيلة الهزارة وهذه فترة قريبة تاريخيا لزمن وجود "بشر ومسلم" ومع ذلك فعنزة اليوم لاتمثل ربع ذرية جنكيز الهالك هذا والأمثلة على ذلك كثيرة .
المحور الثالث وهو الأهم برأيي: صحيح أن"بشر ومسلم"لابد أن يكونوا قد عاشوا انذاك ضمن قبيلة أو فرع اوعشيرة أيا كانت طبيعة هذه القبيلة أوحجمها ويستلزم من هذا قطعا أن يكون لهم إخوة أو أبناء عم او قرابة مشتركة بأي شكل كانت فأين ذهبت هذه القرابة ولم لم يبقى منها إلا "بشر ومسلم" دون الاَخرين من ذوي قرابته فأقول من باب الاقرار لا الالزام والاستنتاج المنطقي أن هناك بعض الاشارات التاريخية ربما تزيل بعض الغموض والضبابية حول هذه الجزئية منها ماذكره"ابن فهد في اتحاف الورى" بالقحط العظيم الذي أصاب جزيرة العرب واستمر من عام 446هـ الى عام 454هـ حتى أكل الناس بعظهم من شدة الجوع في الحجاز ونجد والشام والعراق ومصر ومنها بدات الهجرات كهجرة بنى هلال وغيرها" وهذا النص يمكن ان نستدل منه أحد أسباب بقاء هذا الفرع الذي انحدرت منه قبائل بشر ومسلم دون غيرهم أو قد يكون هو السبب الرئيسي لهذا الحدث فمن يدري كل شيء جائز وممكن فالقحط استمر مئة عام فلايمكن والحال كهذا ان تستمر الأحوال على ماعليه سابقا فلابد أن تكون هناك هجرات أوتحولات اجتماعية حصلت أثناء القحط والدهر كهجرة عنزة مع بني رياح من بني هلال لأفريقية كما ذكر ابن خلدون في العبر وكما ذكر ابن خلدون في العبر"بأن قبائل عنزة إشتركت في ثورة العرب ضد المماليك بصعيد مصر سنة 652هـ كما شاركت سنة 255هـ مع قبائل لخم وجذام وسعد العشيرة وجهينه ضد أحمد بن طولون كما دخلت عنزة لمصر عام 1250م 648هـ مع بدو الجزيرة في 40الف مقاتل للإشتراك في معركة المنصورة التى أسر فيها لويس التاسع كل هذه المعطيات والمؤشرات ربما تفسر لنا سبب بقاء هذين الفرعين بشر ومسلم بعد رحيل هذا العدد الكبير من عنزة الأم وهذا التاريخ 648هـ موافق لتواجد بشر ومسلم اَنذاك كما لايفوتنا ان نذكر أن هذا النص الجلي الذي ذكره ابن فهد ينفى نفيا قاطعا القول أن عنزة نزلت الحجاز في القرن الخامس الهجري كما يدعي البعض فالتاريخ يعلمنا الكثير والعديد من الدروس والعبر لمن يقرأه قراءة صحيحة ويستخلص منه بعض الجوانب المظلمة فقراءة التاريخ ليس فيه قرار حاسم أو رأي لارجعة عنه فالاراء قائمة على الاجتهادات وباب الاجتهاد مفتوح دائما ونحن نجتهد بما يتيسر لنا من معلومات ولا نجزم إلا بدليل قطعي الثبوت هذا من مقتضيات البحث والاستدلال هذا مااحببت بيانه فرحم الله إمريء كثر صوابه وقل خطأه فإن اخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن الله .