(في بيان كلمةٍ عن عنزة)
وقفتُ في قراءتي على كلمةٍ مُشْكلةٍ في أنسابِ ربيعة، ووقفتُ ـ بعدُ ـ على تفسيرٍ فَجٍّ لها في أحدِ الكتبِ الصَّادرةِ حديثاً عن عَنَزةَ، وأنا أسوقُ هذه الكلمةَ وأُتبعُها بالنُّصوصِ التي تُجلِّيها.
جاء في (أنساب الأشراف) 9/17: [ قال المدائنيُّ: خَرَجَ خارِجيٌّ يذكر من عَنَزة بالموصل في ثلاثة عشر رجلاً، فوجَّه إليه الحرُّ بنُ يوسفَ بنِ يحيى بنِ الحَكَمِ: المستنيرَ بنَ عجلانَ العَنَزيَّ ـ أحدَ بني يَذْكر ـ، فقال المستنيرُ: لا ألقاه إلا في عِدَّة مَن معه. فقاتَلَهم فظَهَرَ عليهم، فأوفَدَه الحرُّ إلى هشامٍ، فقال له: ألكَ حاجةٌ؟ فقال: تُخْرِجُنا من ربيعةَ وتردُّنا إلى بني أَسَدٍ، فقال: نعم. فقال بنو يَقْدم بن عنزة: لا نتحوَّل، وقالت بنو يَذْكر: بلى. فاصطلحوا على أنْ صُيِّروا سبعاً على حِدَةٍ ].
وتفسيرُ هذا النَّصِّ:
إنَّ المستنيرَ بنَ عجلانَ العَنَزيَّ أرادَ أنْ يُخْرجَ بني عَنَزةَ من ربيعة ويُدخلَها في مُضَرَ بنِسْبتها إلى بني أَسَدِ بنِ خُزَيْمةَ، وقد وَرَدتْ هذه النِّسْبةُ في شعرِ رُشَيْدِ بنِ رُمَيْضِ العَنَزيِّ ـ الشَّاعرِ المُخَضْرمِ ـ حيث يقولُ لبني قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ من بكرِ بنِ وائلٍ:
لنا عِزٌّ، ومَرْمانا قريبٌ = ومَوْلى لا يَدِبُّ مع القُرَادِ
(انظر: الحيوان 5/434، والمعاني الكبير 2/631)، وجاء في أمالي أبي عليّ القالي 2/126: [ قرأتُ على أبي عُمَر قال: أنشدنا أبو العبَّاسِ عن ابنِ الأعرابيّ:
لنا عِزٌّ، ومَرْمانا قريبٌ = ومَوْلى لا يَدِبُّ مع القُرَادِ
قولُه: (مرمانا قريب) قال: هؤلاءِ عَنَزةُ، يقول: إنْ رأينا منكم ما نَكْرهُ أو رابَنَا منكم رَيْبٌ انتمَيْنا إلى بني أَسَدِ بنِ خُزَيْمةَ ].
قال أبو عُبَيْدٍ البَكْريُّ في (اللآلي في شرح أمالي القالي) 2/754 في بيانِ هذا القَوْلِ: [ اسْمُ عَنَزة عامرٌ...، وهو ابنُ أَسَدِ بنِ ربيعةَ بنِ نزارٍ، ويُقال: هو ابنُ أَسَدِ بنِ خُزَيْمةَ، فذلك الذي أرادَ ]. وقال محمَّدُ بنُ حَبيبٍ في شَرْحِ ديوانِ الفرزدق ـ بعد أنْ أَنْشَدَ شعرَ رُشَيْدٍ ـ: [ يُرِيد أنَّ عَنَزةَ بنَ أَسَدِ بنِ ربيعةَ هو ابنُ أَسَدِ بنِ خُزَيْمةَ، فلنا عِزٌّ في ربيعةَ، ومَرْمانا قريبٌ إنْ أردنا أنْ نتحوَّلَ إلى مُضَرَ. وهذا يُعَرِّضُ بجَحْدَر؛ لأنَّه كان لِصَّاً يجيءُ بالقِرْدانِ فيُرْسلُها تحت الإبلِ ثم يُقعقع لها بشَنَّةٍ ثم يَرْكبُ فَحْله فتتبعه ]. (نَقْلاً عن حواشي الميمني في "سمط اللآلي" 2/753).
وجحدر هذا من بني قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ، وهو جَدُّ آلِ مِسْمَعٍ الذين سَمَا ذِكْرُهم في عَصْرِ بني أميَّةَ فصاروا شيوخَ اللَّهازمِ، وأَبْعَدُهم ذِكْراً: مالكُ بنُ مِسْمَعِ بنِ "شَيْبانَ بنِ" شهابِ بنِ قلعِ بنِ عمرِو بنِ عبَّادِ بنِ جَحْدَرِ بنِ ضُبَيْعةَ بنِ قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ. واللَّهازمُ هم: بنو قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ بنِ عُكابَةَ وبنو تَيْمِ اللاتِ بنِ ثَعْلَبةَ بنِ عُكابَةَ وبنو عِجْلِ بنِ لُجَيْمٍ وعَنَزةُ بنُ أَسَدِ، كلُّهم من بكرِ بنِ وائلٍ عَدَا عَنَزةَ. فكان يَقَعُ بينهم ما يَقَعُ من المنافراتِ واجتذابِ مُلاءَةِ الفَخْرِ، فيُعَيُّرُ بعضُهم بعضاً بالحقِّ والباطلِ. فمِن ذلك: هجاءُ الأعشى ـ وهو من بني سَعْدِ بنِ ضُبَيْعةَ بنِ قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ ـ لـ"شَيْبانَ بنِ" شهابِ بنِ قلعٍ من بني جَحْدَر بنِ ضُبَيْعةَ بما كان يَصْنَعُ جَدُّه بالقِرْدانِ فقال:
فلَسْنا لباغِي المُهْمَلاتِ بقِرْفَةٍ = إذا ما طَمَا باللَّيْلِ مُنْتَشِراتُها
أبا مِسْمَعٍ: أَقْصِرْ، فإنَّ قصيدةً = متى تأتِكُم تَلْحَقْ بها أخَوَاتُها
(انظر: الصبح المنير 62، والحيوان 5/ 434)، ومثلُه: هجاءُ حُضَيْنِ بنِ المُنْذِرِ الذُّهْلِيِّ لمالكِ بنِ مِسْمَعٍ (انظر: الحيوان 5/ 435).
أما قَوْلُ رُشَيْدِ بنِ رُمَيْضِ العَنَزيِّ فظاهرٌ أنَّه بعد خلافٍ مع بني قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ، فافتخَرَ بقومِه عَنَزةَ،و(المولى) هنا تَعْني: ابنَ العَمِّ، فهو يقولُ: لي من دونِكُم أبناءُ عَمِّ لا يتَدَسَّسُون إلينا بالأذى كفِعْلِ خاربِ الإبلِ يَنْهبُها بقِرْدانِه واللَّيْلُ ساقطٌ. فجَمَعَ بين أمورٍ: الرَّغْبَةِ عن نَسَبِهم، وتَعْييرِهم بفِعْلِ جَدِّهم، وذَمِّ أخلاقِهم. وهذا البيتُ مِن أخْبَثِ أبياتِ الهجاءِ وأمَضِّها.
ومواليه (أبناءُ عَمِّه) الذين يَعْنيهم هم: بنو أَسَدِ بنِ خُزَيْمةَ، فلعلَّ أحدَ بني قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ عيَّرَه بهذا النَّسَبِ فأَخْرَجَه من ربيعةَ، فرَدَّ عليه رُشَيْدٌ مُثْبِتاً هذا النَّسَبَ فقال: أنا مِنْهم وهم خيرٌ منك. [ وكانت العربُ تفعلُ ذلك: لا يُعْزَى الرَّجلُ إلى قبيلةٍ غيرِ التي هو منها إلا قال: أنا مِن الذين عِبْتَ ] (طبقات فحول الشعراء 1/107).
فإذا عُدْنا إلى خبرِ المستنيرِ بنِ عجلانَ العَنَزيِّ مع هشامٍ: فهو أراد إخراجَ عَنَزةَ من ربيعةَ إلى مُضَرَ، إما تَصْديقاً لهذه الأقوالِ وإما غضباً مِن تطاولِ بني بكرٍ عليه، فاختلف بنو عَنَزةَ على قولين عند هشامٍ: منهم مَن أراد موافقةَ المستنير ومنهم مَن أبَى،فانتهوا على أنْ تكونَ عَنَزةُ [ سبعاً على حِدَة ]، أي: في العطاء، وكانت عَنَزةُ لها فرائضُ قليلةٌ في الدِّيوانِ إلى زمنِ عبدِ الملك بنِ مروانَ ففرَضَ لهم (انظر: الكامل في التاريخ 4/154)، غير أنَّهم ـ كما يَظْهر ـ كانوا مُدْرَجين في العطاء ضمن قبائلَ ربيعةَ الأخرى وليسوا مُفْرَدِين. فلمَّا وَقَع الاختلاف عند هشامٍ بين عَنَزةَ في الخروجِ من ربيعةَ أو البقاءِ فيها كان الاتفاقُ على إفرادِهم في العطاءِ، فرَضِيَ مَن كان يأبى الدُّخولَ تحت اسْمِ غيرِه من ربيعةَ ـ كبني يذكر ـ، ورَضِيَ مَن أراد التَّمسُّكَ بنَسَبِه الصَّحيحِ غيرَ متتبِّعٍ للأقاويلِ ـ كبني يقدم ـ.
فهذا بيانُ هذا الخبرِ، سُقْتُه بما عرفتُه، وليس يَعْني بحالٍ أنَّ عَنَزةَ ليست من ربيعةَ، فنسبُها في ربيعةَ هو الصَّحيحُ الثَّابتُ، والأقاويلُ الأخرى تَدْفَعُ إليها ظروفٌ وطوارئُ،وقد يُؤمن بها بعضٌ فيُنادِي بها ويُلِحُّ عليها، لكنَّها في آخر الأمرِ تَسْقطُ ويَجْرِي النَّاسُ على ما تَحَدَّرَ إليهم من أسلافِهم وعلى ما اتصلت به أعراقُهم.
والله أعلم