وأما قصيدته الثالثه فقد شكى فراق محبوبته ، وكان أهلها رحلوا بها بعيداً عنه، وحالت بينه وبينها الفيافي الشاسعه ، ولايستطيع أن يصل اليها ، وأخذ يصف مابينهما من البعد ، ويشكو الى أخيه حجاب في هذه القصيده : :
من دون خلي حال (عرنان) و(كباد)و(حلوان) مرفوع الحجى حال دونه
شدوا وخلوني علـى الـدار ركـادوقفت مع الجرعا تبـارى ظعونـه
والدمع من عيني على خدي أبـدادمثل الغشين اليا أنتثر مـن زونـه
فرقى لطيف الروح ياحجاب لاعـادعقبه ضميـري يابسـات شنونـه
ياحجاب كان أنك عن الحال نشـادخلـي بقلبـي جايـرات طعـونـه
اللي ذبحني بالهوى يابن الاجـوادطفـلٍ قرونـه ماغطاهـن زبونـه
طفلٍ لشـراد المهـا صـار قـواديحير عقلي فـي تواصيـف لونـه
حبه بمكنون الحشى يسنـد أسنـادوأن خانني ياحجاب ربـي يخونـه
هذا ماحصلت عليه من قصائد عقاب العواجي بمحبوبته (نوت) ولابد أن لم أشعاراً كثيرة،لأن غرامه معها كان طويلاً ، وكان مستفيضاً بنجد ، حتى أن الفارس الشجاع والعاشق المعروف نومان الحسيني ، كان في رحلة صيد ، ومعه عبده قنيبر، ومعهما طير(صقر) وقد أطلق الصقر على حبارى ولحق به نومان على جواده يعدو وأثناء تتبعه له ، مر بفتاة بديعة الجمال ، راكبه بكرها داخل هودجها ،وقد أعجب بها ، وترك الصقر والحباري ، وأوقف جواده عند الفتاة،وأخذ يغازلها ، لعله يظفر بعطفها وغرامها ، ولكن الفتاة لم تلتفت لكل ماأبداه ،من تودد وأخذت تسأله عن شئ لم يخطر بباله ، أنه تسأله عن أشعار عقاب العواجي بمحبوبته (نوت) وتلح عليه أن يخبرها أن كان يعرف شيئاً من ذلك . لقد خسر نومان صقره ، الذي غاب عنه بالصحراء يطرد طير الحبارى ، وخسر ماهو مؤمله من غرام الفتاة ، لقد دفعت بكرتها ولجقت بظعون أهلها الذين كانوا راحلين في الصحراء ، ورجع نومان الى عبده قنيبر ، فسأله العبد عن الصقر، فأجابه نومان بهذه الأبيات ::
الطيـر منـي ياقنيبـر غـدا فـوتيطرد حباري خـم تالـي المظاهيـر
دليت أنط النايفه وأزعـج الصـوتالياما أبعدوا عنا العرب وأنتحى الطير
ألهتني اللي كن عينـه سنـا مـوتنجـل عيونـه والثنـايـا مغاتـيـر
تقول وش قال العواجي علـى نـوتشبه الطيوح اللـي تحـط المقاهيـر
وهذا دليل على أن غرام عقاب بنوت كان مهوراً .
و( لرحيل ) والد (نوت) أخ يسمى (قرينيس) له ثلاثة أبناء ، أحدهم أبرم عقد نكاحه على نوت بنت رحيل ، ولكنها رفضت الزواج من أبن عمها هذا ، لأن غرامها بعقاب قد تمكن من قلبها ، ولاترضى الزواج بغيره ، وكان بينهما روابط قوية ، وأخيراً أضطر عقاب الى أن يأتي اليها بوضح النهار ، على مرأى ومسمع من أهلها ، ويجلس بالقرب منها ، ويحدثها ماطاب له الحديث ولا أحد يجرؤ أو حتى يفكر بمنعه ، وكان عشقاً بريئاً كل البراءة ، وبعيداً كل البعد عن الرذيلة ، وبمنتهى العفة والشرف .
لقد لاحظ ذلك أبن عمها المعقود له عليها فتشاور مع أخوانه بالأمر ، وقرروا أن يذهبوا لعمهم
(رحيل) ويخبروه أن أمر عقاب تعدى الحدود ، وأنهم لايقبلون أن يأتي عقاب لأبنة عمهم ، أمره ، وأن أصر على تحديه فسنقتله ، ونحن نطلب رأيك ، فنظر اليهم عمهم طويلاً ، ثم هز رأسه ، وقال هذه الكلمة : ياويلكم من عقاب !! ياويلكم بعد عقاب !! وقام بعد هذه الكلمة ، وهنا بهتوا ، وبقوا يتسائلون عن معنى كلمة عمهم ، فقال أكبرهم : نعم أن عمكم يقول ياويلكم من عقاب أن حاولتم قتله ، وهذا شئ من المستحيلات ، لأن عقاب كما تعرفونه ليس بالسهل قتله ،أما قوله ياويلكم بعد عقاب ، فمعناه أنكم لو ظفرتم بعقاب وقتلتموه فقد هدمتم عزكم ، وخسرتم الشخص الذي أرهب أعدائكم ، وحمى بلادكم ،وفتحنا بيننا وبين أبناء عمنا مشكلة كبيرة ، ستكون سبباً بأنقراضنا جميعاً ، وأن أفضل أن تتركوا ( نوت ) لعقاب ، وهو أحق بها ، لأنه يحبها وتحبه ، وهذا هو أفضل شئ نعمله لحل المشكله ، وقد أجمعوا على هذا الراي ، فتم طلاق (نوت ) وتزوجها عقاب ، وبلغ إمنيته بنوت التي هام بغرامها سنين طوالا ، وبعد أن عرف عقاب ما دار بين الأخوه وعمهم ، رحيل العواجي ، وأنهم طلقوا نوت من أجله رأى لزاماً عليه أن يقابل الجميل بالجميل ، وكانت له أخت تسمى ( حرفه ) سبق أن عقد لها على أبن عمها القريب المسمى ( دغام الأحيمر ) ، لذالك أرسل عقاب لأبن عمه ، وأخبره أن أبناء قرينيس العواجي عملوا معه جميلاً وطلفوا بنت عمهم نوت من أجله ، وأنه يجب أن يكافئهم ، ونظراً لأن حرفه رافضه الزواج منك ، فأنا أحب أن تطلقها لأزوجها على الذي طلق نوت من أجلي .. فقال ؟ أنا لن أطلق حرفه ولو قطعت رقبتي ، فثار عقاب ، وأقسم على نفسه أن يقطع رقبته في الحال وطلب سيفه ، وكان عقاب لا يقول شيئا الا فعله ، وعرف دغام أنه قاتله لا محاله ، وحالاً أرتمى على ركبتي عقاب ، وأخذ يقبلهما معلناً طلاق حرفه ، جهاراً بصوته ، وبعد الطلاق زوجها عقاب سعود بن قرينيس ، الذي طلق (نوت) وكذلك أرسل لأخويه الأخرين ، وقال لهما أن هاتين الطفلتين يقصد أبنتيه الصغيرتين اذا بلغتا سن الزواج فسوف أزوجهما بكما ، وفعلا زوجهما بهما ، وأنجبت كل واحده منهما . ومن الثابت عندي أن أسباط عقاب من أبنتيه هم الذين يترأسون قبيلة ( ولد سليمان ) ، وقد وصلت اليهم الرئاسة بعد وفاة عقاب وأبنه ، ولازالوا هم رؤساء القبيلة ، ويقال لهم آل محمد.
:
نرجع الى الشيخ سعدون والد عقاب ، بعد أن أستولى على ( بيضا نثيل ) من التومان ، حصل بينه وبين قبائل شمر معارك هائلة ، حتى أجلاهم عن بعض مساكنهم ، وقد دافعوا دفاعاً بطولياً خاصة قبيلة الغيثه من عبده ، أما مصلط التمياط وقبائله ، فقد جلوا عن ديارهم واستولى عليها سعدون وأبناؤه ، ولم تزل يملكها العواجية الى الأن
بعد أنتصار سعدون العواجي على مصلط التمياط وقتله أبن أخيه ، قال الشيخ سعدون هذه القصيده:
:
ياراكب من عندنا فـوق نسنـاسيشدي ظليـم جافـل مـع خمايـل
زين القفا ناب القرا مقعد الـراسومعرب من ساس هجـنٍِِِِ اصايـل
لامــد رواي ولا راح عـسـاسعروٍ الى ما فـات حمـو القوايـل
اليا جيتهم في ربعة الشيخ جـلاسينشدك من هولي صديـق يسايـل
قل صبحونا أجرودهم ما لها اقياسسكن الجبل جانا مع الصبح صايـل
وانا أحمد اللي عاضهم كسرة الباسكسيـرة وصلـت قفـار وحـايـل
في روضة التنهات قرطن الألبـاسوذبحٍ ليامـا جيـت بيضـا نثايـل
وكم جثـةٍ مجدوعـةٍ مابهـا راسبسيوف يشفـن الطنـا والغلايـل
وكم سابقٍ راكبها طـاح منحـاسمن المعركه يجيـك للقـاع مايـل
والصبح جانا مصلط دايخ الـراسوجاه العقاب الصيرمي فوق حايـل
وأعذر بنقل السيف واعذر بالألباسوراحت تقمز بـه زبـار المسايـل
وجرس خلي في زواقيـب حـراسوياويل مسلط عقب واف الخصايل
وليا قعد بالبيت يزهـي بالألبـاسعمره صغير وماضـي لـه فعايـل
بعد هذا ارسل مفتاح الغيثي الى قبائل شمر يستحميهم ويطلب منهم النجده ، فحضر عدد منهم ووقفوا في وجه سعدون ، وقفة الابطال ، وحصلت بينهم وبين سعدون معركه هائله على المنهل المسمى ( بظفره ) وهو من مياه شمر ، انتصرت فيها شمر على العواجي وقبائله ، وقال شاعر شمر رشيد بن طوعان هذه القصيدة يصف المعركه ::
يامزنةٍ غـرا نشـت لـه رفاريـفهلت على ظفره مطرهـا انهشامـي
زبيديهـا روس المهـار المزاعيـفوعشبه قرون مسيحيـن الاودامـي
تصرخ بها حدب السيوف المهاديـفوتفتح بهـا بقـع النسـور الاثامـي
دزٍ بـعـودان البلـنـزا وتنجـيـفوروحوا وراكـم يافـروخ الجلامـي
ظعاينٍ تسري وتجري مـن السيـفومن (واقصة) ما شيعـوا للمقامـي
زمـل الطواليـات جنـك مزاهيـفعلى جنـاح الكـود يمشـن همامـي
يتلون عـدوان زبـون المشاعيـفكسابـة العيـدان ريـش النعـامـي
نهجت اسـر جموعهـم بالتواقيـفالـن وجيـه جموعهـم بالنخدامـي
ونظرت ربعي عايزيـن التواصيـفالى الخيل بالزهـام والجمـع زامـي
ونعمٍ من العصـلان وأولاد اباسيـفوعيـال عليـا كانـهـا بالتحـامـي
ان فات مـا بقفوشهـم والتطاريـفردوا لنصـب مفكـكـات اللجـامـي
انا أشهد ان قلوبهم صمـع ياخليـفوردوا حياض الموت ورد الظوامـي
وديارنـا حنـا لنـا بـه تصاريـف(سلمى) و(رمان) و(اجا) و(العصامي)
عينـاك يارمـان زيـن الهفاهيـفيامـا ذبحنـا دونهـا مـن غلامـي
نطعن ونطعن عند هـاك الكراشيـفوتسعَـر دونـه عـمـار تسـامـي
نبـي نقلـط ميرهـن للضيايـيـفان صكـت البيبـان دون الطعامـي
ورغم أن شمر أنتصروا بهذه المعركه فأن سعدون العواجي وأبناءه لم يفقدوا شيئاً من أراضي شمر التي كسبوها .
لقد أتفقت شمر على أن يصبوا فنجان من البن ، ويضعوه بينهم ، ويقولون لفرسانهم : الذي يشربه في مجتمعهم هو المسئول عن قتل عقاب ، في أول معركه نخوضها معه ، أنه لا يمكن أن يتجرأ على شربه ، الا من كان قوي الجنان ، وعنده الثقة بنفسه ، فقام شاب من بين الصفوف يسمى ( أبا الوقي ) ولم يكن من عائلة لها ماض بالفروسيه ، فأخذ الفنجال وشربه ، في مجلس شمر ، وقال : أنا شارب فنجال عقاب ، وسأقابله على ظهور الخيل ، وعندما التحم شمر في معركة مع (ولد سليمان) جماعة عقاب العواجي ، وعندما رأى (أبا الوقي) عقاباً بين الخيل ، دفع جواده ، وكان عقاب لا يظن أن أحداً يتجرأ ويهجم عليه ، خاصة مثل هذا الشاب الصغير ، فلقيه عقاب ولما أقترب كل واحد من الآخر أطلق كل منهما سهمه على الآخر ، ولكن لم يصب أحدهما ، والتصقت جوادهما ، وتماسكا بالأيدي على ظهور الخيل ، ثم وقعا على الارض ، فهجمت فرسان عنزة لتخليص عقاب وهجمت فرسان شمر لتخليص ابا الوقي ، الشاب الذي ضرب أروع مثل بالبطوله ، ونفذ ما التزم به ، ودارت المعركة وحمي الوطيس ، وثار غبار الخيل ، وغطى كل شئ ، حتى أن الفارس لا يبصر الآخر ،وتخلص عقاب من الشاب أبا الوقي ، وقام من الارض والغبار يحجب كل واحد عن الاخر ووقعت يد عقاب على سيف بالارض وامسك بجواد واقف فوق رأسه ، وكذالك أبا الوقي هو الاخرأخذ سيفاً ، ووجد جواداً من حوله، فأخذه وعندما أفترقا اذا بالسيف الذي مع عقاب هو سيف ابا الوقي وكذالك الجواد كان جواده ، وابا الوقي وجد ان السيف الذي معه والجواد هما سيف وجواد عقاب ، وانفصلت المعركة بعد ذلك ، وكانت النتيجة خيبة امل للشيخ سعدون ، لأنه رأى بالأمر غضاضة عليه ، حيث أن جواد وسيف أبنه يأخذهما شاب صغير من قبيلة شمر ، ليس معروفاً، ولم يكن له ماض ، وليس كفواً لمقابلة عقاب في نظره ، وقد قلق للأمر وسهر ليلته ولم ينم ، فجاء اليه شيوخ قبيلة (ولد سليمان) وقالوا له لا تقلق يا ابا عقاب ، على فقدان جواد وسيف ، فكل خيلنا وسيوفنا نقدمها لعقاب عوضاً عن جواده وسيفه ، فقال: أنا لا يهمني جواد عقاب وسيفه ، ولكن الذي يشغل بالي ويحز في نفسي وأخشى منه ، هو أن شاعر شمر مبيريك التبيناوي ، قد يقع على بيت من الشعر ، عالق في ذهني الآن ، فقالوا: ماهو البيت ياسعدون الذي تخشى ان يجده شاعر شمر ؟ فقال لهم هو هذا البيت :
:
السيف من يمنى عقابٍ خذيناهوالخيل بدل كدشها بالاصايـل
وفعلاً وقع ما كان يخشاه سعدون ، حيث بعد أنفصال المعركة ، قال شاعر شمر مبيريك التبيناوي
قصيدة من ضمنها البيت الذي أشار اليه سعدون ، وهو ثاني بيت من القصيدة الآتية :
:
أبا الوقي يالبيض خضبـن يمنـاهوانا شهد انه من عيـال الحمايـل
السيف من يمنى عقـاب خذينـاهوالخيل بـدل كدشهـا بالاصايـل
هـذي سلـوم بيننـا يالقـرابـاهيازين بيع المنسمح يابـن وايـل
وعقاب ما سبه ولا سـب حليـاهان جو على قب المهار الاصايـل
يركض على الصابور ما به مراواهشئ تعرفـه كـل سمـو القبايـل
لا شك عندي لـه فهـود مغـذاهعيال شمـر فـوق قـب سلايـل